محمد أبو زهرة

249

المعجزة الكبرى القرآن

ويقول تعالى عن المشركين أنهم عاجزون عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) [ الإسراء : 88 ] ، وقوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [ البقرة : 24 ] . وهكذا تجد في القرآن أخبارا عن أمور قابلة ، وتقع كما أخبر ، وصدق في ذلك كله ، وذلك لا يكون إلا من عند اللّه ، ولا يمكن أن يكون بالتقدير الشخصي أو الحدسي ، فإن ذلك يصدق أحيانا ، ويكذب أحيانا ، والأمر هنا كله صدق لا تخلف فيه ، وكان دليلا على أنه من عند اللّه الحليم الخبير اللطيف البصير ، أودعه كتابه الكريم . 6 - جدل القرآن واستدلاله 140 - القرآن كل ما فيه معجز ، فإيجازه معجز ، وإطنابه معجز ، وألفاظه معجزة ، وأساليبه معجزة ، ونغماته ونظمه وفواصله ، كل هذا معجز ، واستدلاله وجدله وبيانه لا يصل إلى درجته نوع من الكلام ، وقد ساق الإمام الباقلاني طائفة من خطب العرب ، وأهل اللسن ، وأهل الإيمان ، طائفة من أبلغها وأقواها ، ووازن بينها وبين إلزام القرآن وإقناعه واستدلاله ، فوجد أن الموازنة غير لائقة بذات القرآن ، والفرق بين القرآن وكلام أعلى أئمة البيان يجعل الموازنة غير مستقيمة ، والفرق بينها وبين القرآن هو كالفرق بين الخالق والمخلوق ، لأنه فرق بين كلام الخالق ، وكلام المخلوق . ولعله من الخير أن ننقل تلك الخطبة التي اعتبرها الباقلاني من أعلى ما عرف من بليغ القول ، وهي رثاء علي بن أبي طالب كرم اللّه وجه لخليفة رسول اللّه أبى بكر الصديق رضى اللّه تعالى عنه : « لما قبض أبو بكر رضى اللّه تعالى عنه ارتجت المدينة بالبكاء كيوم قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وجاء على باكيا متوجعا ، وهو يقول : اليوم انقطعت خلافة النبوة . رحمك اللّه أبا بكر ، كنت إلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأنسه وثقته ، وموضع سره ، كنت أول القوم إسلاما وأخلصهم إيمانا وأشدهم يقينا ، وأخوفهم للّه ، وأعظمهم غناء في دين اللّه ، وأحوطهم على رسول اللّه ، وأثبتهم على الإسلام ، وأيمنهم على أصحابه ، وأحسنهم صحبة ، وأكثرهم مناقب ، وأفضلهم سوابق ، وأرفعهم درجة ، وأقربهم وسيلة ، وأشبههم برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سننا وهديا ، ورحمة وفضلا ، وأشرفهم منزلة ، وأكرمهم عليه ، وأوثقهم عنده . فجزاك اللّه عن الإسلام ورسوله خيرا ، كنت عنده بمنزلة السمع والبصر ، صدقت رسول اللّه حين كذبه الناس ، فسماك في تنزيله صديقا ، فقال : والذي جاء بالصدق